حول أزمة الإئتلاف والمعارضة- عبد الرحيم خليفة

حول أزمة الإئتلاف والمعارضة- عبد الرحيم خليفة

نالت المعارضة السورية نصيبا وافرا من النقد والتجريح؛ لعله يوازي ويساوي ما طال النظام نفسه؛ خصوصا في الفترة الآخيرة؛ إزاء حجم الإخفاقات التي منيت بها، والإتهامات المتبادلة بين مكوناتها إلى درجة إعتبارها سببا وعاملا في تأخرالثورة وإفشالها. بل هناك من اعتبرها وجها آخر للنظام؛ من حيث التفكير والسلوك والثقافة والنهج الإقصائي والشمولي والأحادي وتفتقر للحس السياسي ومنظومة علم الإجتماع والآخلاق.
أظهرت حرب ” الآيام الستة” حقائق مرة وفضائح مخيبة للأمال؛ تستدعي التوقف عندها، على أمل تجاوزها في ماهو متبق من وقت وفرص لاستدراك ما يمكن استدراكه في لحظات عصيبة؛ يدفع ثمنها شعب كاد أن ييأس من كل شىء، إلا من رحمة رب كريم. لن ينسى عاملا عمل لإنقاذ وطن يتتداعى وينهار، وتحول ساحة صراع كبرى لقوى إقليمية ودولية، تعنيها مصالحها؛ أولا وأخيرا…
– قيل الكثير، وسال حبر كثير حول بنية المعارضة وأزمتها البنيوية؛ ومع كل يوم وأزمة، تتضح أكثر معالم بنيتها الشمولية؛ التي لا يستثنى منها أحد؛ أو مكون؛ فهي جميعا من نتاج ثقافة وعصر تاريخ ومجتمع، لم يعرف الحوار والتعدد، ولم تتشرب الثقافة “الديمقراطية”، ولم تنفذ إلى طبقاتها الكتيمة روح الاعتراف بالآخر؛ رغم كثير الكلام عن تحول هذه القوى إلى الديمقراطية، والأخذ بنهجها وتغيير أسمائها…
شخصيا كتبت أكثر من مقال؛ ومن واقع التجربة المديدة، والاحتكاك المباشر عن أزمة المعارضة. ولعله من قصارى القول. التذكير بأن هذه المعارضة تحتاج اليوم إلى “بيسترويكا” إعادة بناء؛ لتتلائم وتتكيف مع عصر جديد، ومتغيرات محلية وعالمية، حتى يكتب لها البقاء؛ فتجارب الماضي القريب؛ قبل الثورة وبعدها؛ تشير إلى إعادة إنتاجها لذاتها، وتكريس حتى لشخوصها الذين وصل البعض منهم إلى فقدان الذاكرة والوعي. وأصبح مجالا للتندر والسخرية…رغم يقيني أنه لن يكون لهذه القوى أي مستقبل في سوريا القادمة، أو الجديدة؛ إن لم يكن لجميعها فلمعظمها.
الاستبداد والشمولية ليسا حكرا على طرف واحد أو مكون بذاته؛ حتى وإن كان يحمل في مسماه وشعاره، وبرامجه وأدبياته لفظة الديمقراطية؛ وماجرى داخل الائتلاف لا يخرج عن هذا المعنى، ولا يتجاوز هذا السياق
تشير مسألة الحاجة إلى التوسعة النسائية؛ وما شابها من تجاذبات إلى وجه آخر من أزمة معارضة ومجتمع ثقافة وبنية؛ لم تغادر” ذكوريتها”؛ ولا تزال نظرتها للمرآة كأنها من فئة ال”بدون”؛ ولم تكن تعتريها أي رغبة جادة بمشاركة فعالة “لنصف المجتمع”؛ رغم الدور البارز للمرأة في الثورة؛ ورغم كل الديباجات التي تزين فيها البيانات والخطب والبرامج حول ذلك .
تعدى الآمر الشكلي هذا؛ لتحديد مواصفات( المرآة) التي يراد إضافتها؛ وذهبت بعض السيدات في مطالبهن إلى الحديث عن التساوي مع الرجل من حيث العدد؛ وليس في الحقوق والواجبات؛ ما يؤكد حاجة هذه القوى إلى مراجعة تاريخية عميقة وشاملة؛ تقوم على ضروات التقدم والتنمية والإستفادة من كل الطاقات وحشدها؛ في معركة التحول من الاستبداد إلى الديمقراطية.
جانب آخر من وجوه الآزمة؛ هو بخصوص مؤتمر جنيف، وتصوير الأمر على أن القابلين بالذهاب والفكرة” خونة” و”عملاء” ضد الثورة؛ ويعملون على تصفيتها؛ عبر صفقات مشبوهة؛ والرافضين للفكرة “وطنيون”و “شرفاء”؛ وهو الآمر الذي إتخذ عناوين إيديولوجية بين فريقين؛ رغم عدم صحة الآمر إطلاقا؛ وحتى عدم مناقشته أصلا؛ ما يؤشر إلى ثقافة عمياء، عمل النظام عليها عبر عقود حكمه الغاشم، عبر تصنيفات الوطنية ومراتبها، والسوق لها باعلام مضلل وكاذب، وتحتاج إلى كثير من المراجعة والنقد، ومارست الآطراف المختلفة الآسلوب نفسه، وإستخدمت الآدوات ذاتها.
ليست الوطنية حكرا على “أيديولوجية” بعينها؛ إلا إذا كان أصحاب هذا المذهب لم يبرحوا مربع “الشمولية” والآدلجة”؛ من ليس معي هو ضدي، وعدوي. ولم تصل إليهم رسالة الثورة التي قامت لأجل العدالة والمساوة، وغيرها من قيم حداثية.
وفي هذا الخصوص، كشفت الأزمة عن غياب السياسة لدى أصحابها؛ فجل الوقت انصرف على مسألة التوسعة، ولم تحظ قضية “الاستحقاق” الدولي الكبير بشىء من المناقشة؛ رغم ما قيل على الفضائيات؛ وهو ما يكشف بعدا آخر من الآزمة؛ يتمثل بتسليم الأمر لأصحاب الشأن والنفوذ من الإقليميين والدوليين، وغياب الاهتمام بالمسألة “الوطنية”، أو تراجعها في سلم الأولويات والسياسة؛ لمن هم أمناء عليها، أو هكذا يفترض. وضعف المناعة “الوطنية” عند قوى وشخصيات ذات تاريخ مشرف وناصع، ارتضت حضور سفراء ووزراء وشخصيات عربية وغربية بينها، تتدخل في كل شاردة وواردة، ولا أقول تملي عليها.
———
أزمة المعارضة السورية كبيرة وعميقة؛ وتشخيصها يحتاج إلى كثير من المكاشفة والقسوة؛ لآنها أصبحت مسؤولة عن أزمة عامة وشاملة تعيشها الثورة السورية؛ يدفع ثمنها شعب من دماء أبنائه ومستقبلهم؛ ووطن بات مهددا بكل مخاطر التقسيم والاحتراب؛ والدخول في المجهول؛ إلى مستقبل غير معلوم.
ليست هذه كل جوانب أزمة المعارضة والإئتلاف؛ لكني أعتقد أنها الأبرز…والحديث يحتاج إلى تتمة

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *